ابن عجيبة

311

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قلت : ( إذ ) : بدل ثان من ( إذ يعدكم ) ، أو متعلق بالنصر ، لما في ( عند اللّه ) من معنى الفعل ، أو بإضمار اذكروا . ومن قرأ بضم الياء ، فهو من أغشى ، أي : غطى ، ومن قرأ بالتشديد ، فهو من غشى المضعف ، وكلاهما يتعدى إلى مفعولين ، الكاف الأول والنعاس الثاني ، ومن قرأ بالفتح والتخفيف ، فهو من غشى يغشى ؛ المتعدى إلى واحد ، و ( أمنة ) : مفعول من أجله . يقول الحق جل جلاله : واذكروا إِذْ يُغَشِّيكُمُ ، أي : حين كان يغشيكم النُّعاسَ وأنتم في القتال ، حين ينزل عليكم الأمن من العدو بعد شدة الخوف ، وذلك لأجل الأمن الذي نزل من اللّه عليكم بعد شدة خوفكم . قال ابن مسعود رضى اللّه عنه : النعاس عند حضور القتال علامة أمن من العدو . ثم ذكّرهم بمنة أخرى ، فقال : وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ من الحدث والجنابة ، وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ أي : وسوسته وتخويفه إياهم من العطش ، روى أنهم نزلوا في كثيب رمل دهس ، تسوخ فيه الأقدام ، على ماء قليل ، وناموا فاحتلم أكثرهم ، فوسوس إليهم الشيطان ، وقال : كيف تنصرون وأنتم تصلون محدثين مجنبين ، وتزعمون أنكم أولياء اللّه وفيكم رسوله ؟ ، فأشفقوا ، فأنزل اللّه المطر ، فمطروا ليلا حتى جرى الوادي ، فاتخذوا الحياض على عدوته ، وسقوا الركاب ، واغتسلوا وتوضؤوا ، وتلبد الرمل الذي بينهم وبين العدو ، حتى ثبتت عليه الأقدام وزالت الدهوسة ، وهذا معنى قوله : وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ أي : وليربط على قلوبكم بالوثوق على لطف اللّه وزوال ما وسوس إليهم الشيطان ، وذهاب الكسل عنها . وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ حتى لا تسوخ في الرمل ، أو بالربط على القلوب حتى تثبت في مداخص الحرب . واذكروا أيضا : إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ أي : أثبت أقدامكم حين أوحي إلى الملائكة أنى معكم في نصر المؤمنين وتثبيتهم ، فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا بتكثير عددهم ، أو بالبشارة لهم ، أو بمحاربة أعدائهم ، على قول من قال : إنهم باشروا القتال . سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ والجزع ، حتى لا يثبتوا لقتالكم ، يحتمل أن يكون من خطاب اللّه للملائكة ، أو استئناف ؛ إخبارا للمؤمنين عما يفعله بعدوهم عاجلا وآجلا . ثم قال للملائكة أو للمؤمنين : فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ أي : أعاليها التي هي المذابح والرؤوس ، وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ أي : أصابعهم ، أي : جزوا رقابهم واقطعوا أطرافهم . الإشارة : كان شيخ شيخنا يشير على الفقراء ، إذا كثرت عليهم الخواطر والهواجس ، بالنوم ، ويقول : من تشوش خاطره فليرقد حتى يشبع من النعاس ، فإنه يجد قلبه ؛ لأن النعاس أمنة من اللّه يذهب به رجز الشيطان وثقله ، ويربط على القلوب في الحضرة ؛ لأنه زوال ، وإذا زال العبد ظهر الحق وزهق الباطل .